أي سحر تنفثه وسائل الإعلام فينا؟ هذه الوسائل التي أنجبتها المدنية الحديثة ثم أقحمتها اقحاما في صلب واقعنا...لقد تغلغلت في أعماقنا و مازجت جذورنا و أصبحت الجزء الذي لا يتجزأ من حياتنا...كثيرون لفرط انبهارهم بها يكادون يعبدونها، لكن ثمة أصوات انبعثت تعلن الخطر و تئن فزعة من هذا الإعلام الوافد الذي بات أداة للحط من القيم الأخلاقية و الغزو الثقافي.نعم أعزائي، لقد أبيت إلا أن اخصص هذه السطور القليلة ليخط فيها يراعي ما سمعته و ما رايته و ما اعتنقته...
الإعلام الوافد، موضوع بلغ من الأهمية بمكان، و لقد تبينت من خلال الاستفتاء الذي قمت به أن الآراء تنقسم إلى قسمين متساويين: فثمة فئة تصرح أنه-أي الإعلام الوافد- أداة ناجعة للثقافة و الترفيه و لكن لا ضير من اخذ بعض الاحتياطات. و في المقابل ترفض الفئة الثانية مشاهدة القنوات الغربية رفضا باتا. فما هي يا ترى حجج هاتين الفئتين و دعائمها؟
سأبدأ الحديث بالفئة الثانية باعتبارها صاحبة الرأي الأشد قسوة و سأحاول- و بكل أمانة- أن أوصل آراءها:
هم يعتقدون أن الإعلام الوافد هو أداة للحط من القيم الأخلاقية و ذلك يتجلى في عدة نقاط. فهو يساهم في فك الروابط الأسرية و تحطيمها، فكما نعلم جميعا أن العائلات في الغرب أضحت ظاهرة نادرة الوجود. فلا غرابة أن نجد اليوم شبابا يجنح و يزيغ عن الجادة القويمة، إذ أن هذا الإعلام أصبح من الوسائل المثيرة المحفزة على خرق القوانين و التمرد على نواميس المجتمع ، فنحن نلاحظ تطاولهم على آبائهم و أمهاتهم و غرابة مظهرهم سواء كان ذلك على صعيد الملابس الخليعة المكشوفة أو التسريحات الغريبة. و لا ننسى سلوكهم و اهتماماتهم طبعا، فقد صاروا يترددن على الحفلات الصاخبة التي تختبئ تحت طياتها أعمال فاضحة.و كذلك يتتبعون أخبار النجوم، نجوم الفن و الخلاعة. فالمراهقون يصنعون لأنفسهم مثلا عليا يطمحون إلى بلوغ مراتبها و- عادة ما تتعلق ب"المشاهير" و "العظماء"- و يتشبهون بها و يعمدون إلى محاكاة أعمالها، و لكن ياللأسف، هؤلاء "المشاهير" و "العظماء" ليسوا سوى مبتذلين للأخلاق الرفيعة و مروجين للمشاهد الرخيصة.
نعم، لقد تولى الإعلام الوافد قيادة سفينة الأسر العربية دون سواه و استأصل هويتها من جذورها شيئا فشيئا و سرب إليها قيما غريبة دخيلة، فشتان بين شباب البارحة و شباب اليوم، شباب البارحة كان فقير المظهر غني النفس مطمئنها، أما شباب اليوم فهو سعيد المظهر ممزق النفس مضطربها. أن الأطفال و المراهقين خاصة لصفحات بيضاء تتأثر بكل ما يخط عليها، فيا ويل الأمة لو كان الإعلام الوافد جل مل ما يملأ تلك الصفحات. و كما يقول شاكر مصطفى:" نحن و أبناؤنا كأننا نعيش في قارات متباعدة تفصلنا غربة قرون من التباين. لقد كان الأبناء بالأمس أبناء آبائهم يصورونهم على ما يشتهون تربية و ذهنا و أدبا، أما اليوم فأبناؤنا هم أبناء وسائل الأعلام التي افترست الأسرة لدينا افتراسا و دمرت كل آدابها و مفاهيمها."
عموما، لم تصبح الصور الفاضحة هي الخطر الأكبر، فهذا الإعلام الوافد ينشر أخبار رواد العنف و الجريمة، فهو ينقل أخبار العصابات المنظمة التي تستفيد من احدث المنجزات العلمية لتطوير الأساليب الإجرامية كالسرقات الالكترونية مثلا، و هذا ما يدعو المراهق-الذي يمر بمرحلة حساسة من عمره و يتعرض إلى عديد الضغوطات-إلى تجريب هذه الوسائل أو محاولة تجريبها. فتلك المشاهد لا يمكن أن تمر مرور الكرام على ذهن المراهق، بل يجب أن تترك أثرا كبيرا في نفسه. لكن المشكلة العويصة هي أن الشباب لا يفهمون أن التقليد الأعمى للغربيين جعل مصيرهم كمصير الغراب الذي أراد أن يتعلم مشية الحجل فنسي مشيته فهو من الحجل و لا هو من الغربان. هم لا يدركون أن مثلهم كمثل الاسفنجة المنتفخة بالمياه لكنها خاوية من الداخل. هم لا يعرفون أن الأعلام الوافد هو وسيلة للغزو، أي نعم، للغزو، فهو بضاعة يدفعها إلينا العالم المتقدم فنشتريها أملا في أن نصير مثلهم وكما يقول شاكر مصطفى:" أن طريق المادة التلفزيونية طريق ذو اتجاه واحد. و لكن هذه البضاعة السحرية(...) ليست ككل بضاعة.إنها سحر هجومي، تنتجها الدول المتقدمة على مقاس أذواقها مثلها الاجتماعية و تقاليدها.و كما ينحت الماء في الصخر مع الأيام، تنحت هذه المثل و التقاليد فينا(...) ثم إن هذه المنتجات الغازية تخضع للمقتضيات التجارية، و هدفها تسخير المشاهدين لأغراض التجار.إنها ألوان من الإعلان و لكنه إعلان يدفع تكاليفه المستهلكون... و نشرب و نشرب من غدير النسيان... و لكن دون أمل في الوقوع في ينبوع الذكرى، ينبوع استرداد الذات. "
لنكن واقعيين، لقد بدأنا نفقد عروبتنا و عاداتنا شيئا فشيئا، فصرنا، و لست أعني المراهقين فقط بل و بعض البالغين أيضا نستقي من تقاليد الغرب، فتارة نحتفل ب"رأس السنة الميلادية" فننفق الأمرين جراءه، و نسمح لأبنائنا بالخروج و الاستمتاع في العلب الليلية لإحيائه. و طورا يحتفل الشباب ب"عيد الحب"، فنرى من المشاهد ما يدمي القلب و يجرح الفؤاد و يخدش الكبرياء: همسات و ضحكات و كلمات هنا و هناك، و لست أستغرب أن أرى بعد مدة زمنية قبلات تختلس في تلك الزاوية أو في ذلك الركن...
باختصار، ترى الفئة الثانية أن الإعلام الوافد يحمل إثارة و إغراء بالصوت و الصورة و ذلك ببث رسائل دون ضوابط أخلاقية. و بالتالي، هم يعتقدون انه لا مجال لفتح هذه النوافذ التي تدخل رياحا مسمومة.
أما الآن فلنعد إلى الفئة الأولى. إن أعضاءها يؤمنون أن الإعلام الوافد وسيلة ناجعة للثقافة و الترفيه و ذلك يتجلى أيضا في عدة نقاط. فهو -أي الإعلام الوافد- يطلعنا على قضايا الشعوب و عاداتهم و تقاليدهم، فقد تلاشت الحواجز و استحالت البيوت زجاجية ترى فيها بقية العلم صباح مساء، أي أن العالم أصبح قرية كونية. فلا خير في امة اقتصرت على ما يجري بها غاضة النظر عما يدور حولها. فكما قال زكي مبارك:" لقد لاحظت أن بعض الطوائف يكثر فيها العرج، سالت حينها احد الأطباء عن سر ذلك فاخبرني أن السبب يرجع أنهم يتزوجون فيما بينهم و لا يصاهرون الأجانب على الإطلاق. و بالمثل نقول أن الأمم تصاب بالعرج العقلي حين تنطوي على نفسها و لا تنهل من ثقافات الأمم الأخرى."
نعم أعزائي، إن الاطلاع على ثقافات الشعوب بالأمر الشيق، فما أجمل أن يطلع الفرد على عادات الانجليز مثلا و خاصة آداب الأكل و بالتالي يستقي المشاهد طرقا طريفة راقية لتناول الطعام. و ما أحلى أن نتعرف على قداسة الوقت عند الأوروبيين، فهم يحترمونه بشكل كبير و يصرفونه في جليل الأعمال و يقسمونه تقسيما مبنيا على تفكير حكيم.كذلك هم يعطون لكل عمل وقتا كافيا حتى لا يتأخر عمل يوم لأخر. استسمحوني عذرا، أريد أن أشير أن المجتمع العربي لا يحترم التوقيت إلا لماما بل و يعد ذلك من صفات العظمة و الرفعة و الكبرياء، لذا وجب التشبه بالغرب في احترام التوقيت.كما أن الإعلام الوافد يعمل على تهذيب ذوق الفرد و سلوكه و نشر القيم الفاضلة و الأخلاق الحميدة من خلال بث البرامج الهادفة كالألعاب الفكرية أو الأشرطة الوثائقية. و هو يساهم في ترسيخ سمة الاعتماد على الذات. و لا ننسى الانضباط، فالغربيون يعتبرونه مرضا معديا، لا ينتقل فقط من إنسان إلى آخر، بل من مهارة إلى أخرى، لذا وجب الانضباط في الحديث و التصرف و العلاقات الاجتماعية. و الإعلام الوافد يعلمنا أننا في سباق مع الزمن، فلا وقت للمماطلة و التأجيل، بل علينا أن نسعى جاهدين للدراسة و الاختراع و الاكتشاف. و هو يرينا أن الغربيين يستقون المعرفة من مصادرها المكتوبة و لا يؤخذون بالكلام على ألسنة الناس. أصدقاؤهم كتبهم و رفاقهم دفاترهم و عدتهم أقلامهم كما قال أمين ألبرت الريحاني. فالقراءة عندهم غذاء يومي لا غنى عنه.
باختصار، ترى الفئة الأولى أن الإعلام الوافد يمكن الفرد من أن ينهل من روافد المعرفة و أن يستقي خلاصة التجربة البشرية، لكنها تعتقد أن على الفرد أن يتمتع بحصانة ذاتية تستمد من شريعتنا الإسلامية ومبادئنا العريقة أي أنها تعتنق رأي محمد الرميحي الذي قال:" ينبغي ألا نغلق كل الأبواب و النوافذ مخافة دخول الرياح الفاسدة فهناك رياح طيبة أيضا لا بد أن نفترض فوائد هبوبها و نعرف من ابن تهب و متى لنفتح لها أفضل النوافذ و الأبواب."
أعزائي، ها قد قدمت لكم مختلف وجهات النظر، فالكل بين معارض و موافق. و لكن يبقى السؤال المطروح هو نفسه: كيف يمكننا فعلا أن نتقي مخاطر الإعلام الوافد و في نفس الوقت نستقي منه ما يفيد؟ فكما تعلمون، كل ما نتداوله جميعا من عبارات براقة يبقى دائما مجرد حبر على ورق يحتاج مجهودا كبيرا لتحقيقه.
بقلم:هديل بن محمود